الشيخ محمد إسحاق الفياض
103
المباحث الأصولية
إن الغرض من جعل التكليف هو إمكان إيجاد الداعوية والباعثية في نفس المكلف وانبعاثه الاقتضائي لا الفعلي ، وإلا لزم أن يكون جعله في كثير منالأحيان والموارد كموارد الجهل والعصيان ونحوهما لغواً وهو كما ترى ، وعلىهذا فإمكان الانبعاث عن التكليف المجهول وغير الواصل والمنجز وإن كان موجوداً ، ولكن الانبعاث الفعلي منه منوط بالوصول والعلم به هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى ، إن العقل الحاكم باشتراط التكليف بالقدرة بملاك قبحتكليف العاجز لا يحكم إلا بامتناع تنجّز كلا التكلفين المتزاحمين معاً على المكلف ، لأن فيه إحراجاً له على العصيان وتكليفاً بغير المقدور ، وأما إذا كان أحدهما واصلًا إليه ومنجّزاً كالتكليف بالمهم والآخر مجهولًا وغير واصل إليهكالتكليف بالأهم ، فلايحكم العقل بامتناع ذلك ، إذ لا تنافي بينهما في الاقتضاء ، فإن التكليف الواصل المنجّز يقتضي تحريك المكلف نحو الامتثال والاتيان بمتعلقه ، بينما التكليف غير الواصل والمنجز لا يقتضي تحريكه نحو امتثاله والاتيان بمتعلقه لكي لا يمكن الجمع بينهما ، وعلى ضوء هذا الضابط وهو اشتراط التكليف بالقدرة ، فالعقل إنما يحكم باستحالة تنجّز كلا التكليفين المتزاحمين معاً علىالمكلف ، على أساس إن كلًا منهما يدعوه إلى امتثاله والاتيان بمتعلقه في الخارج ، والمفروض إن المكلف غير قادر على الجمع بينهما في مقام الامتثال لأنه من الجمعبين الضدّين ، وأما إذا كان أحدهما منجّزاً وواصلًا إلى المكلف كوجوب الصلاة مثلًا والآخر مجهولًا وغير واصل ومنجز كوجوب انقاذ الغريق ، ففي مثل ذلكهل يحكم العقل بتقييد إطلاق وجوب الصلاة بعدم ثبوت وجوب إنقاذ الغريق أولايحكم بأكثر من تقييده بعدم وصوله وتنجّزه عليه . والجواب : إنه لا يحكم بأكثر من تقييد إطلاق وجوب الصلاة بعدم تنجّز